عين عايدة
.

:: البدو في ذاكرتي...

 
كنت دائما وأبدا أخلط بين اللهجات في طريقة كلامي وهذا يحدث معي سهوا لا عمدا،  وكنت أفكر ثواني في كلامي قبل أن أنطقه وأحاول أن أجد له مرادفا في لهجة من يحدثني، فلخلفيتي ونسبي وتربيتي البدوية فرضت علي ذلك، فالبديهي كنت لا أتحدث اللهجة المصرية إلا في المدرسة، مع أني عانيت في بدايتتي، وكنت أنطق كلامنا البدوي باللهجة المصرية، مما يخلق موقفا كوميديا لا دخل لي فيه، إلا محاولاتي البائسة أن أتحدث المصرية..وتحدثتها، وأتقنتها، وأصبحت لكنتي خليط من البدوية على القاهرية على اللكنة الإسكندرانية، وأصبحت أتكلم وأترك للمستمع خيار الفهم والإدراك...

وعندما يعرف أحد من أصدقاء الجامعة أني بدوية، أجاوبه دون سؤال، أو بالمعنى الأصح أغلق أمامه باب الأسئلة..وأقول بصوت عال أنا أعيش في بيت مسلح ولست أعيش في خيمة أو أعيش عيشة الترحال على طريقة الأمثال الخايبة التي مثلها لنا التليفزيون في مسلسل "رحلة المليون" وسنبل، نعم عندنا جمال، نعم نمتلك الخيمة كتراث ورفاهية، وليست كل المناطق ولا القبائل مثل بعض، فالقبيلة والعائلة والمكان الذي نسكن فيه له الكلمة الأخيرة في النهاية...ف "الجوابيص" التي هي قبيلتي لها أفرع وعائلات في مختلف أنحاء مصر ...

وأعود إلى البدو .... البدو هم مصدر شقائي وسعادتي، هم مصدر الصراع الداخلي الذي يدور ويصول داخلي دون هوادة أو رحمة، قيم ومبادئ تختلف عن العادات والتقاليد التي عايشتها أيام دراستي، فأنا عشت بثلاث شخصيات ..

أولها الشخصية البدوية التي لا تجرؤ  في الاعتراض على رأي من أراء عائلتها، وخاصة أخوانها الذكور، والثانية الشخصية المثقفة التي تتعامل مع عقليات تختلف في الفكر والثقافة 180 درجة عن عشيرتها، وشخصيتي أنا التي أعيشها وأنهزم بها بعيدا عن الناس مع صديقاتي شخصيتي المرحة المتفاؤلة والانطوائية نعم مرح وتفاؤل واجتماعية وانطوائية وتشاؤمية كل في وقت واحد..

لكنه أبي رحمة الله عليه الذي أعاد التوازن إلى نفسي، جعلني أعادل بين درجات الصراع، فهو الذي أصر على تعليمنا رغم  الاعتراضات التي ليس لها اول من آخر، ونعم كنا أول بنات في منطقتنا من البدو ندخل الجامعة، وهذا شيء في حد ذاته إنجاز، وجميل لوالدي رحمة الله عليه....

لكن هل أنا راضية على نفسي الآن، هل الصراع خمد، أم أنه يتأجج من وقت لأخر، أعترف أني أخذت مساحة من الحرية يحسدني عليها الجميع، لكن هل الحرية زادت من شقائي ..نعم....أتمنى في الكثير من الأوقات أنني لم أكمل تعليمي او أنفتح على العالم الخارجي حتى أكون هانئة وراضية بحالي، وكان رأسي الذي يؤلمني من التساؤلات لا بفكر إلا في الطبيخ أو التنظيف أو غسل الملابس، أنا لا أتهم ولا أتفه من قريناتي من البدو لا والله.... لكني أنقل لكم بساطة الصورة والفطرة ونقاء السريرة التي ألمسها في البدو، هذا في جنس بنات حوا ولم أتكلم ولم أفرد صفات أولاد آدم من البدو  فلكل مقام مقال...

الحديث يطول ويطول ويطول عن البدو وآثارهم الحاضرة والحية والمترسبة أيضا في ذاكرتي والتي تطل علي بعادات وتقاليد لست ساخطة عليها، لكني أحترمها وأجلها، وفهمت مغزاها الآن....وعند احتكاكي بالشعب الفلسطيني من خلال نماذج من أصدقائي هنا في دولة الإمارات وجدت تشابها أثلج صدري في طرق التفكير والنظرة للأمور..

والطريف أن  ما يؤرقني ويهلكني في نفس الوقت من الضحك أن في المسلسلات المصرية عندما يمثلوا أدورا صعيدية يستعينوا بأهل الاختصاص من الصعايدة لاختلاف اللكنات، ويوجد نماذج أتقنت اللجة الصعيدية اما اللهجة البدوية فيا مصيبتااااه...فأنني عندما أشاهد بعض الأدوار التي يقوم فيها الممثل بتقمص اللهجة البدوية أكره نفسي وأكره اليوم اللي كنت فيه بدوية ...من العك واللخبطة وتشويه للهجة التي أعتز بها كثيرا، وأقول وأردد يجب على المخرجين والممثلين أن يعطوا العيش لخبازه خاصة في اللهجة البدوية التي لم أشاهد ممثلا أو مسلسلا أثلج صدري وأتقن اللهجة البدوية.    

(6) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 10 فبراير, 2010 07:56 ص , من قبل asaaddir
من الكويت

اولا قبل اي شىء يرجي ان يكون حجم الخط مستقبلا اكبر ..
ثانيا قرأت المقال بتمعن وتقدير واحترام شديد لك على صراحتك ...
ربما ليس من حقي التعليق على شىء فيما ذكرت ولكني لأني قرأت بحق فلي بعض الحق في ان اتكلم ..
لقد وجدت متسعا من حرية حسدك عليها الكثير بحق ولكن يبقي فيك عادات البدو الأصيلة بما فيها من قيم واخلاقيات قلما تجديها في اي مكان اخر ..
البداوة تمثل تحدي في كل شىء ويتعلم منها اهلها الكثير الكثير يكفى انها تنجب رجال بحق وليس اشباه رجال ...
ربما يكون فيما اختلط لديك من تنوع ثقافات سبب في بلبلة فكر لكن صدقيني اغمضي عينيك في الطريق المظلم واستشعري الصواب فسوف تصلين لنهاية الطريق بسلام فهذا ما غرسته فيك البداوة ..
مع احترامي الشديد لرأيك فيمن يمثل ادوار الصعايدة فإني صعيدي وأقول لك والله لم أجد من يؤدي اللهجة الصعيدية بحق كما يتكلمها اهلها رغم اختلاف اللكنات التي فيها ايضا هم يتكلفون وتخرج الكلمات بغير تلقائية ...

اختى
خالص تقديري لك وانني انحنى لكل كلمة قرأتها اليوم لك ...
كونى بخير

أسعد


اضيف في 10 فبراير, 2010 10:03 ص , من قبل amalna
من لإمارات العربية المتحدة

عندما وعيت على هذه الخلطبيطة يا لسعسع.. لم أجد لها اسما أفضل من:
(أزمة كل شيء ولا شيء)......!

ناقشت معك من قبل مسألة (ذو العقل يشقى في النعيم بعقله = وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم)

صدقيني يا عايدة، هذا الصراع موجود في كل بني آدم تقريبا، وأعتقد أنه صراع طبيعي وصحي؛ فهو الذي يؤدي بنا إلى اكتشاف ذواتنا الحقيقية في النهاية.. وغالبا ما نتوصل إلى هذا الاكتشاف الخطير بعد ما يكون خلااااص مترو الإصلاحات فاتنا وعدى.. ويا الله السلامه.. كححح كححح كححح

أنا مثلك أيضا لدي صراع داخلي.. عن هويتي ووطني وما أفعل.. فلسطينية وأحلم باليوم الذي أدوس فيه تراب بلدي.. وأتفاخر بأني من السوافير والسوافير راحت مع قرى 48 ولا أحد يدري هل سنرجع لها أم لا.. وإذا رجعنا فماذا سنجد؟ وحياتي التي أعيشها هنا.. أبني وأعيش وأعمر في بلد ليست بلدي.. وإخوتي وأهلي يكبرون ويتزوجون ولا نعرف عنهم إلا أسماءهم وبعض الصور التي نتناقلها والاتصالات الهاتفية التي تؤكد لنا أن "هناااك في البعيد" من ينتظرون مثلنا على أمل أن نراهم يوما أو نلتقي بهم لنؤكد قرابتنا لهم....
كل واحد في بلد... وكل بلد تقصقص ريشنا أكثر حتى لم نعد متأكدين إذا ما كانت لنا أجنحة أصلا!!!
أينعم أهل وعروبة وأشقاء و... شعاراتنا المعتادة.. لكن الصراع يظل داخلك... ماذا لو كنت؟ ماذا لو فعلت؟ ماذا وماذا وألف ليش وكيف!!

قلبتي عليا المواجع يا لسعه.. بطلت.. بديش أكتب!
وملاحظة: بلاش تحكي فلسطيني.. هااا؟؟
:P


اضيف في 10 فبراير, 2010 08:31 م , من قبل belaawham
من المغرب

السلام عليك اختي الفاضلة


أولا أقف لك احتراما وتقديرا لصراحتك الجميلة النادرة جدا وهذا يجعلني أراك صاحبة فكر و أخلاق لا متخبطة بين ذا و ذاك كما أن التقاليد و الأعراف التي تستمد في أغلب الأحيان من الدين و الشريعة ولا اقول كلها هي بمثابة الحصن الحصين للفتاة خرجت لتحصيل العلم ربما اصطدمت بواقع لا أنت منه ولا هو يمت لك بصلة لكن بالله عليك ألا تشعرين أنك الأصح والأجدر بكل أحترام أما واللهجة فأنا أقول /اللخبطة / فيها أهون من /اللخبطة في الأخلاق و أن المرء ينسلخ من جلدجه إكراما لأراء البعض حتى يقال عنه متقدم ومتحضر الحضارة ليس لباس على الموضة ولهجة دلوعة و إشارات أنثوية منمقة لا والله الحضارة ما أنت عليه من فكر منير وأخلاق حميدة وشخصية قوية لا تهزها رياح التمدن ولا ريح السكن في فيلات و ركوب السيارات .....
أختي الفاضلة ربما أطلت الحديث لكن السبب مقالك الرائع هذا أبديت وجهة نظري البسيطة فتقبلي نقاشي كما شاء الله وأنا والله بدوية /عروبية/ باللهجة المغربية أبا عن جد وذاك فخر لي .سلمت اناملك وزادك الله من نوره وفضله تقديري واحترامي
أمة الله**بلا أوهام**


اضيف في 18 فبراير, 2010 05:00 م , من قبل shaeirrahhal

جارتي عايدة ... مساء الخير ...

أعتقد يجب أن يكون عنوان المذكرة " البداوة في ذاكرتي " ، وتكون المذكرة على عدة حلقات فحلقة واحدة لطرح أفكارك حول المحيط الذي تنتمين إليه إجتماعياً أو نسباً أو عرفاً لا تكاد تكون كافية وتخلق أسئلة أكثر لديكِ ولدى جيرانكِ ليس لها من جواب هنا.

أعتقد أن أمر اللهجة هو الإختبار الأول لكل فرد يريد أن يكون ذاتاً منفصلة عن التغيرات التي تحيط به ، وذلك في أن يحافظ على لهجته كإطار ، حتى يحافظ على ذاته من الإنزلاق في لهجات أخرى ، قد تمسح كل تأريخ الفرد ( كصورة ) وتلصقه ( لا إرادياً ) في تأريخ أخر لا صلة مباشرة له فيه ، فيجبر على أن يحضر دائماً منهجاً تأريخياً وجغرافياً ليعرضه على من يجتمع معهم من الأناس الجدد ليعرف نفسه من خلال ذلك المنهج بعد أن فقدت اللهجة بوصلة التعريف وأخطأت في إظهار من / من أي تكونين.


لأنهي هذه النقطة بشيء : أن أتكلم لهجة غيري معه حباً فيه شيء وأن أترك لهجته تغزوني وتستملكني شيء أخر ، كما أني بحفاظي على التكلم بلهجتي لا يجب أن أتمسك بها كلها ، فبعض مفرداتها الشاذة عن تأريخي العربي والتي ليس فيها من جمال لغوي وليس لها إرتباط بالعربية ، يجب أن أرمي بها في ( ... المهملات ). أتحدث وأتكلم بلهجتي لكن أعدل فيها أيضاً.

أمّا عن النقطة الأخرى سأكون صريحاً في تعليقي عليها لأجاري صراحتكِ في طرحكِ إياها ...

قولك أنكِ تجيبين زملائك في الجامعة مباشرة دون سؤال حتى عن أنكِ تعيشين في بيت "مسلح" ، وليس في بيت "شعر" ، لكي تغلقين عليه باب الأسئلة والتعليقات الناقدة أو المستهزئة التي يطرحها بعض الأفراد "الذين يعتقدون أنهم مدنيون" بطريقة غير مباشرة ومرات بطريقة مباشرة ، إسمحي لي أن أقول أنكِ هنا تساعدين من يحمل بعض الأفكار التي تحاول النيل من البدوي والبداوة ، في أن تتجذر فيه ، لأنكِ لا تحاولين أن تُخرسي تلك الأفكار التي يراكِ من خلالها.


اضيف في 18 فبراير, 2010 05:00 م , من قبل shaeirrahhal

وماذا يعني لو إعتقد أحدهم أني أعيش في بيت " شعر " وفي الصحاري ، فهذه حضارتي التي كان لها نصيب كبير في دعم فتح العالم من جنوب فرنساً حتى ضواحي الصين القديمة.

سيدتي لا تأبهي بنظرة البعض إليكِ ولا كيف يرونكِ ، الأهم أن تكونين مقتنعة بنفسكِ وفي تأريخكِ وحاضنتك وأنتِ بالتأكيد كذلك ، وأن تدافعي عنها في تمسكك بها ، ودون حتى تأليف كتاب دفاعي عنها ، فبمجرد تمسككِ بها ، أصبحتِ أنتِ كتاب دفاع عن حاضنتكِ ، يمشي على الأرض بقدمين وعينين ويدين.

النقطة الثالثة :
الكثير منّا تعيش فيها عدة شخصيات ، وهذا الشيء أجده رائعاً ، ويعبر عن كون الشخص قد لامس أفكار كثيرة وإستطاع أن يتأقلم مع جميعها.

شخصية العائلة ... هي ما ستكون في المستقبل قاعدة ليكبر فيها وعليها أطفالكِ ، صحيح هناك خلل في نظام العائلة في تمييزه بين الإبن والبنت ، لكن لا يكاد التمييز هذا أن يستأهل معارضة من البنت تذهب بالعائلة إلى الهاوية ، يجب عليها أن تقنع إخوانها " وإن كانوا صعاب المراس " أن تقنعهم بوجهات نظرها دون أن تدخل معهم في صدام مباشر بالآراء.

شخصية المتعلمة ... هي مرآة لمجتمعك ، فكلما أنجزت تلك الشخصية في مجالها العملي والعلمي ، كانت مرآةاً حقيقية لحضارتكِ التي سادت العالم في زمن من الأزمنة.

شخصية الذات ... هي مأواكِ الأول والأخير ، ولولاها ، لن تكون هناك دعائم لإستمرار شخصية العائلة وشخصية المتعلمة في الحياة.

***

لا أعتقد أن هناك صراعاً حقيقياً "بمعناه السلبي" بينكِ وبين حاضنتك وأفكار قريناتك من تلك الحاضنة ، بل هو محاولة إيصال قريناتكِ للحرية التي انتِ وصلتِ لها ( في التعليم والتثقيف وحقوقهن في بناء ذواتهن ) ، أمّا إذا كان صراعكِ مع حاضنتكِ صراعاً حقيقياً ، فهنا يجب أن توضع نقطة نظام ... نعود من خلالها إلى الوراء قليلاً ونبدأ بفهم واقعنا ، وأننا لا يجب أن نكون على مجتمعنا لا معه ، وأن نبدأ بإصلاحه من الداخل ( هي عملية شاقة ) ، لكن تدر بالأخير الفائدة وتشرعنا بوجودنا وإنسانيتنا.


اضيف في 18 فبراير, 2010 05:04 م , من قبل shaeirrahhal

صدقاً الحديث يطول في هذا الجانب الذي يلامس بعضاً من ذاتنا ، ولأنه كذلك نرجو أن تكون هناك حلقات قادمة عن هذا الموضوع ، لنحاول قراءة مجتمعنا وأفكاره بعين معاصرة ، شكراً على هذه الإستفاضة.

حول اللهجات في المسلسلات العربية التي تجسد بعض المجتمعات ( البدوية أو الصعيدية أو الإسكندرانية أو الحلبية ، وحتى المسلسل اليتيم الذي كان عن ذاتنا الفلسطينية ) هي ملئ بالأخطاء ، شكلاً ولفظاً ، فإبتسمي سيدتي فليست فقط المسلسلات البدوية هي من تحتاج إلى عمق إختصاصي لغوي بدوي لإخراجها بصورة صحيحة ، بل كل المسلسلات تحتاج إلى ذلك العمق ، وأبناء كل مجتمع تم تجسيده في مسلسل ، يعرف كمية الأخطاء التي تولدها الفضائيات المنتجة له ، لكن لسان حاله يقول : (( صبر جميل والله المستعان على ما تصفون )).

سيدتي دمتِ لنا.

تقديري ‎- الشاعر الرحال




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية